الرئيسية | صحتنا | 02/04/2020 15:54:00

(الكورونا، بين شبح الخوف وسلطة الموت)

image
الكاتب : إكيضيض عبدالغني

 

 

  لاشك أن العالم اليوم يعيش تحت ضغط رهيب لم يشهد مثيله حتى في أشد الحروب شراسة، فجل الحروب التي مرت، ساخنة كانت أو باردة، لم يكن لها وقع على كل شعوب الأرض كما هو الشأن بالنسبة للحرب المعلنة اليوم ضد فيروس كورونا، فقد نتساءل بكل عفوية وبراءة، هل يستحق الأمر كل هذا الهلع والتهويل؟ أو أن الأمر يتعلق بفيروس كباقي الفيروسات السابقة استجد ليضع فاصلا زمنيا بين مرحلتين تاريخيتين؟ مرحلة ما قبل الكورونا وما بعدها.

 

يقودنا هذا التساؤل البسيط إلى الانطلاق من فكرة مفادها أن القطع مع عادات أو أفكار أو معتقدات ترتبط بفترة زمنية محددة يصطدم بتخوف قد يكون طبيعيا، وقد يكون مصطنعا، ويرجع هذا إلى طبيعة الظاهرة المستجدة والظروف المعيشة والعوامل التي تتداخل فيما بينها لتجعل الإنسان في مرحلة من مراحل التاريخ مرتابا ومتخوفا من المصير المجهول .

 

إن الحديث عن الخوف يقتضي استحضار ما يقابله من هلع قد يكون في أغلب الأحايين غير مبرر، سيما وأن السلطة الأولية في تدبير الأحاديث اليومية حول جائحة كورونا هي الإعلام، رسميا كان أو مستقلا، فقد نكون في حاجة إلى إعلام حر ومستقل عن أية سلطة في سياقات متعددة، ولكن الواقع الراهن، يقتضي تقييد هذه الحرية لا لشيء سوى لأن منطق تحقيق المشاهدات والزيارات بالعناوين المثيرة لا ينفصل عن هذه الفترة العصيبة، ولم يعد له من مسوغ، لذلك فمعظم المنابر الإعلامية التي تقتات من الأزمات وتسعى إلى تحصيل المادة الخبرية تتحكم في الحالة النفسية للمتلقي، ليصبح الأخير بإثر ذلك في حرب نفسية تشنها أخبار تتفاوت من حيث الصحة والزيف، فكلما توسعت دائرة المصادر التي تستقى منها الأخبار والمعلومات كلما كان المتلقي أقرب إلى الوقوع في زوبعة قد لا يخرج منها بحالة نفسية متوازنة، فالهلع الذي يمكن أن ينتج عن تعدد المصادر قد يتخذ منحى إيجابيا، وذلك من خلال السبق لتقديم معطيات صحيحة وموضوعية، وقد تكون أسباب هذا الهلع وهمية ولا منطق لها. لكن، وإذا ما تأملنا الوضع من وجهة أخرى سنجد أن مبرر الهلع، وإن كان نسبيا، يتمثل في كون الفيروس مستجدا ولازال قيد الدراسة والاستكشاف، أي أن غياب المعلومة الدقيقة سبب مباشر في هذا الهجوم الإعلامي على متلق متوتر لا يملك أن يميز بين المعطيات، فهذه اللخبطة طليعية بالقياس إلى بداية المشكل وحداثة طفرة الفيروس .

وفي خضم هذه الزوبعة التي نجهل بدايتها ونهايتها، يمكن أن يكون الخوف مبررا إذا ما ارتبط باحتمال من احتمالين كبيرين، الاحتمال الأول يتعلق بإمكانية اصطناع هذا الفيروس من لدن قوة مادية تسعى إلى بسط إمبراطوريتها أو السيطرة على موقع من المواقع، وفي هذه الحالة يختلف الفاعل المادي عن المفعول (الضحية) على المستوى العلمي والاقتصادي، ويتساويان على مستوى الكينونة والوجود، حيث ينتج عنهذا الاصطدام غير المباشر نتيجة مفادها أن رفض القدر الذي تناصر مع الفاعل المادي، أو التمرد على الواقع المفروض، له ما

 

 

يبرره، والمبرر المركزي في هذه الحالة التي تتصف بالغموض هو الخوف من واقع مصطنع بعيد كل البعد عن التطور الطبيعي للفيروس، وإن كان هم أغلب العلماء في هذه الفترة العصيبة هو الانكباب على تجريب الأدوية والأمصال، ومحاولة تقليص الزمن للوصول إلى حل قد يجنب الإنسانية كارثة سيكون لها وقع على عدة مستويات، وكل هذا يدخل ضمن حيز الافتراض فقط .

أما الاحتمال الثاني، وهو افتراض أقرب إلى الصواب بحكم آخر ما استجد من الأبحاث العلمية، يتجلى في التطور الطبيعي الذي خضع له الفيروس، والطفرة التي فاجأت الإنسان، والنتيجة تلاؤم الشكل الخارجي للفيروس مع سطح الخلية البشرية، والتفصيل في هذا التفاعل متروك لأهل الاختصاص، فما يهمنا من الاحتمال الثاني هو الكشف عن الشك الذي يداهم الشخص والارتياب الذي يتملكه جراء هذه الظواهر الصحية، فيكون مجبرا في هذا الاحتمال -إن تحقق- على الإيمان بالقدر والقضاء

وما يمكن افتراضه مبدئيا في هذه الظرفية العصيبة أن التوازنات النفسية تغيرت بتغير باقي المعادلات الاقتصادية والاجتماعية، فالخوف باعتباره حالة نفسية تتولد عن مسببات مختلفة، يشكل خطرا مكملا لما يمكن أن يشكله الوباء من تهديد، بكل بساطة لأن مصادره متشعبة ولا ترتبط فقط بخطر الموت جراء المرض، فضلا عن أن المخاوف جلها تغيرت وأصبحت تتمايز بين أولويات بيولوجية كان الإنسان يهملها ويحتقرها قبل ظهور هذا الوباء، وبين ثانويات أجلت لوقت لاحق، ففي لحظة فارقة أصبح الإنسان يخضع للموجه الديني أكثر من أي وقت مضى، لأن هذا الأخير يحتفظ بمكانته البيولوجية داخل وعي الإنسان منذ الأبد وينتظر لحظات فارقة ليكون عاملا فاعلا ويعيد الإنسان إلى الطريق المستقيم، وهذه الحالة الطبيعية أبعد ما يمكن أن تكون من

النفاق كما يقول بذلك البعض، وليس تكثيف التصدق والإحسان إلى المحتاجين في هذه الأزمة سوى سلوك يعتبر نتاجا للموجه الديني باعتباره مركزيا، والموجه الإنساني المشترك أيضا .

 

 وأكثر ما يخيف العنصر البشري– بعيدا عن تدخل الذات الإلهية– هو المآمرة، فهو (الإنسان) يضع الإيمان بالقدر الإلهي كيفما كان وقعه في كفة، ويضع في الكفة الأخرى تمرده على كل المخططات البشرية التي يمكن أن تضع حدا لوجوده، ليتحقق الخوف بين مكيالين قد لا يتساويان بالضرورة، بحيث يكون الشرط الأساسي للخوف المتوازن هو ملامسة الحقيقة التي تؤرقه وتجعله خاضعا لتساؤلات لا تنتهي . فما يمكن افتراضه مبدئيا في هذه الظرفية العصيبة أن التوازنات النفسية تغيرت بتغير باقي المعادلات الاقتصادية والاجتماعية، فالخوف باعتباره حالة نفسية تتولد عن مسببات مختلفة، يشكل خطرا مكملا لما يمكن أن يشكله الوباء من تهديد، بكل بساطة، لأن مصادره متشعبة ولا ترتبط فقط بخطر الموت جراء المرض، فقد تغيرت المخاوف والأولويات للحظة مفاجئة، فأصبح الخوف من الخرف والتجاعيد وفقدان السمعة  المزيفة إلى خوف طفري من الموت .

ومخطئ من يتوهم أن نمط الحياة، أو على الأقل نمط العيش سيبقى كما كان عليه قبل جائحة كورونا، فخلافا لما اعتدنا عليه، ولما قدمه لنا الزمن الماضي من فرص ذهبية لتغيير سلوكنا الثقافي بشكل تدريجي، أصبحنا اليوم وفي لحظة خاطفة، نخضع لسلطة خفية أجبرتنا على تفكيك التلاحم الاجتماعي بمفهومه المادي وتبني سلوكات صحية كان بالإمكان تبنيها قبل هذه اللحظة الفارقة، حتى أصبحنا للحظة نوطد سلوك التأنق والتنظيف خوفا من أن تنتزع أرواحنا عن أجسادنا، وسلوك التصدق والتضامن خوفا من الغضب الإلهي ، ليتحول الاحتمال الثاني من الاحتمالين المذكورين سابقا إلى فكرة مفادها، أن الجسد الإنساني بكل ما تزين به من ملابس وعطور لم يعد يصلح للعيش على هذه الأرض إلا إذا تزين بالتقوى والتضامن، وبذلك يصبح السلوك خاضعا للموجه الديني من جهة، وللموجه الصحي من خلال نزع كل ممكنات الرمزية وتبني الحقائق العلمية التي لا  نلامس منافعها إلا في الأزمات .

 إن الزمن النفسي في هذه الأزمة يتباطأ أكثر فأكثر، كأنه يختبر صبرنا ويقيس إيماننا أو يشخص حالتنا النفسية، أو يوبخنا ببطئه ويلومنا على إسهامنا في تدمير قيم الكون، اليوم سقط القناع عنا وتمردت الطبيعة ووصل الألم إلى أفقه، فلولا اقترابنا من الموت لما تأدبنا في سلوكنا ولما ركعنا خانعين لقوة عظمى تحكم الكون، كان هذا الموت المخيف فكرة محتملة لا يتحقق معناها إلا عندما نرى مريضا بالسرطان يلقى حتفه أو شهيدا في حادث سير يلقى مصرعه أو مقاتل في الحرب يعانق الموت أملا في الانتصار، ففي عز الأزمة يعز المرء أو يهان، والإهانة ليست لحظية تقاس مباشرة بصفعة قائد لمواطن أو استهزاء فتيات بالمصالح الطبية عبر الاتصالات الهاتفية أو حتى استغلال بعض تجار الأزمات لحالة الوباء والرفع من الأثمنة لتحقيق الأرباح، إن أكبر إهانة هي أن نتذكر في لحظة كهذه أن مستشفياتنا لا تملك من أجهزة التنفس الاصطناعي ما يكفي لإنقاذ بعض الأرواح أو أسرة تستوعب عددا محتملا من المرضى، بل ما يعمق من أثر هذه الإهانة هو الحيز الزمني الذي كنا نتمتع به والذي استمر منذ الاستقلال إلى يومننا هذا، والذي مر دون أن نجهز أنفسنا لأبسط الأزمات فما بالك بأزمة من هذا النوع، ربما لأن الخوف من المستقبل لم يكن يتملكنا أو يهددنا من حين لحين، أو ربما لأن سذاجتنا وفرحتنا بالاستقلال الرمزي دامت طويلا .


والمؤسف من كل هذا أن الخوف الذي كان يتملكنا كان أقرب من الوهم نفسه، حيث شكل سياجا منعنا من التفكير في إصلاح الأسس الصحية والتربوية التي ينبني عليها المجتمع، بل قادنا هذا الخوف إلى اعتبار كل من كان يطالب بالإصلاح خائنا يهدد البلاد والعباد، حتى اكتشفنا أن خونة الأمس أصبحوا اليوم أبطالا في خطابنا الرقمي، فالرجوع بالزمن قليلا إلى الوراء كفيل بأن يذكرنا بما كنا نقترفه من جرائم من حيث ندري، فلا نحن التزمنا الصمت وتركنا الوطنيين ( خونة الأمس) يمضون في نضالاتهم ويطالبون بالمستشفيات، ولا نحن قدمنا البدائل واتخذنا من التطوع شعارا للإصلاح، اليوم فقط هو مستقبل الأمس القريب، المستقبل الذي كنا نهابه ونعظمه حتى لا يتجرأ أحد على التفكير في مضمراته وغموضه، المستقبل الذي كنا نخافه ونتجنب الخوض في جزئياته الممكنة أصبح اليوم واقعا قاسيا يعاتبنا بأسراره التي تتبدى وترقص كأنها تنتقم للعلم الذي أهملناه، أكان بإمكاننا أن نتجنب تأليه المغنيات وتقديس التافهات وتكريم العاهات وتشريف الحمقى والأوغاد؟ بلى، كان بالإمكان أن تكون نتيجة اليوم خوفا أقل ألما مما نعيشه من مستقبل آخر لا يخلو من غموض، إن الزمن لا يرحم، وليست أوقات اليوم سوى سيوف تقطع رقاب الأبرياء، شيوخا وشبابا، رجالا ونساء، إن الخوف بكل تمظهراته النفسية أصبح شبحا، لا يمكن تشخيصه أو تبيان مصدره مادام الوضع غير مشخص، أهو الخوف من الموت نفسه قبل التمرغ في الشيخوخة؟ أم الخوف من إنهاء قصة حب الحياة التي ابتدأت أول مرة حين كنا أطفالا متمردين بصراخنا ومندفعين ببكائنا وثائرين على ثنائي أكسيد الكاربون .

إن الواقع اليوم يفرض علينا التكيف مع المتغيرات كيفما كان مجالها، وإلا فلن نعيش أبدا، فما إن يتمكن الخوف المفرط من الشعب ويتملك تفكيره حتى يفقد القدرة على الاستمرار في المجابهة والنضال، والاستمرار هنا لا يقتصر على السيرورة الاقتصادية أو السياسية فقط، كما أنه لا يرتبط باستمرار الجسد في تجديد نسيجه واكتساب مناعة جراء ما يمكن ان يحدثه الوباء من شروخ، فالمناعة هنا ليست مضمونة، بل يتجاوز كل هذا إلى تحصيل مناعة فكرية تنير درب المستقبل، وتمكننا من مراجعة ذواتنا، واكتساب شجاعة نفتت بها خوفنا من المستقبل المجهول .

بقا فدارك

Stay at home 

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

ما رأيك؟

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha